*لبنان بين مشروع نزع سلاح المقاومة ومخاطر الانهيار الوطني*
*الكاتب والمحلل السياسي يحيى دايخ ٢٠٢٥/٨/١٧*
يواجه لبنان في المرحلة الراهنة تحديات وجودية تهدد كيانه الوطني، إثر تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى نزع سلاح المقاومة، وتفكيك عناصر القوة الوطنية. تتجلى هذه الضغوط في قرارات حكومية غير ميثاقية، وتدخلات خارجية تسعى إلى فرض أجندات تتناقض مع المصلحة الوطنية العليا، مما يستدعي وقفة تحليلية شاملة لفهم السياق وتحديد السيناريوهات المحتملة.
*السياق السياسي الراهن*
في 5 و 7 آب 2025، عقدت الحكومة اللبنانية جلستين استثنائيتين في القصر الجمهوري ببعبدا، لمناقشة ورقة شروط أمريكية–سعودية–إسرائيلية تهدف إلى نزع سلاح المقاومة. أعلن رئيس الحكومة نواف سلام التزام حكومته الكامل بهذه الورقة، وكلف الجيش اللبناني بوضع خطة تطبيقية لحصر السلاح قبل نهاية العام الحالي، وعرضها على مجلس الوزراء قبل 31 آب لمناقشتها وإقرارها.
تزامنًا مع ذلك، أخل رئيس الجمهورية جوزاف عون بخطاب القسم الذي تعهد فيه بمناقشة "سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني"، متجاوزًا الضغوط الخارجية والداخلية، ومتخليًا عن الورقة اللبنانية التي رفعها للأميركيين وأعلنها في خطابه يوم 31 تموز 2025، والتي تنص على وقف الاعتداءات الإسرائيلية والتزام "إسرائيل" بما عليها من متوجبات في اتفاق وقف الأعمال العدائية، وانسحابها من الأراضي اللبنانية قبل مناقشة مسألة السلاح.
*تحليل الموقف الحكومي*
*1. الانصياع للإملاءات الخارجية*
يتضح من قرارات الحكومة اللبنانية الأخيرة انصياعها الكامل للإملاءات الأمريكية–السعودية–الإسرائيلية، دون مراعاة للسيادة الوطنية أو المصلحة العامة. يتجلى ذلك في:
- تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، وعدم اتخاذ أي إجراءات لوقفها.
- عدم المبادرة لإعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي، رغم التزامات الحكومة بذلك في بيانها الوزاري.
- التناغم الكامل بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وخضوع رئيس الجمهورية للضغوط للذهاب بالمواجهة إلى أقصاها، ووضع الدولة بمواجهة مع قوى المقاومة في البلد.
*2. الخروج عن الميثاقية*
اتخذت الحكومة قرارات مصيرية في غياب وزراء الطائفة الشيعية، مما يفقد هذه القرارات ميثاقيتها، ويهدد التوازن الوطني القائم على الشراكة بين مكونات المجتمع اللبناني.
*موقف المقاومة وخطابها السياسي*
في ذكرى أربعين الإمام الحسين عليه السلام، ألقى الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم خطابًا تناول فيه الواقع السياسي الراهن بواقعية، حيث بيّن إلى أين يمكن أن تذهب الأمور أمام تعنت حكومة نواف سلام بالقرار غير الميثاقي.
أكد الشيخ قاسم أن المقاومة لا ترفض مناقشة استراتيجية دفاعية وطنية، بل تطالب بأولويات المرحلة من وقف الاعتداءات وتحرير الأرض وعودة الأسرى والبدء بإعادة الإعمار، وقال: "عند مناقشة استراتيجية أمن وطني أو استراتيجية دفاعية وطنية خذوا منا كل التسهيلات".
إلا أن رئيس الحكومة نواف سلام قابل الخطاب بتعنت أكبر، واتهم سماحة الشيخ بالتهديد بحرب أهلية، في حين أن الشيخ قاسم كان يدعو إلى التهدئة والتفاهم الوطني.
*السيناريوهات المحتملة*
*1. السيناريو التصعيدي*
- *داخليًا*: تصاعد التوترات بين الحكومة والمقاومة، مما قد يؤدي إلى صدام داخلي يهدد السلم الأهلي.
- *خارجيًا*: استغلال إسرائيل للوضع الداخلي اللبناني لتكثيف اعتداءاتها، وربما شن عدوان واسع النطاق.
*2. السيناريو التوافقي*
- *داخليًا*: عدول رئيس الحكومة عن قراراته غير الميثاقية والتوصل إلى تفاهم وطني حول استراتيجية دفاعية شاملة، تضمن الحفاظ على سلاح المقاومة ضمن إطار الدولة.
- *خارجيًا*: تعزيز الموقف اللبناني في المحافل الدولية، والضغط على إسرائيل للالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
*نقاط القوة الاستراتيجية للمقاومة*
1. *القدرة العسكرية:*
- لا تزال المقاومة تمتلك *أكبر قوة عسكرية داخل لبنان*، مع منظومات دفاعية وهجومية متطورة.
- جهوزية عالية في مختلف الجبهات (الجنوب، البقاع، الضاحية، والمحيط الجغرافي).
2. *البيئة الحاضنة الصلبة:*
- جمهور واسع وشعبي مستعد *للدفاع سياسياً والقتال عسكرياً*، أثبت التزامه خلال الاعتداءات السابقة.
- ثقافة مقاومة متجذرة تمنع اختراق البيئة سياسياً وإعلاميًا أو معنويًا.
3. *التحالف الوطني:*
- دعم أحزاب وطنية متنوعة الهوية (الحزب القومي، الحزب الشيوعي، بعض من القوى المسيحية وقوى وطنية شمالية) يضفي غطاءً وطنيًا على المقاومة.
هذا التحالف يمنع عزلها أو تصنيفها طائفياً.
- القدرة على المواجهة الداخلية والخارجية ضمن معادلة مدروسة لا تجرّ البلاد للفوضى.
*نقاط ضعف المعسكر المعادي للمقاومة داخليًا*
1. *التصدع داخل البيئة المسيحية:*
- *التيار الوطني الحر، المردة، وقوى مستقلة* ترفض الانجرار وراء "القوات" بتنفيذ أجندة أمريكية سعودية إسرائيلية تُخرب البلد والسلم الأهلي.
فالرأي العام المسيحي منقسم ولا يثق بخيارات الفوضى واللعب بالسلم الأهلي.
2. *الانقسام داخل البيئة السنية:*
- عدم تبني شخصيات وطنية وازنة في الطائفة السنية لأي مشروع تصادمي أو فوضوي.
والشارع السني الشعبي يرفض الانخراط في مشاريع أمريكية ضد شريحة لبنانية كبرى.
3. *الضعف الشعبي والمعنوي لرموز المشروع المعادي:*
ضعف القدرة المعنوية والشعبية لرموز الحراك المعادي للمقاومة، وافتقارهم للدعم الشعبي الحقيقي.
- نواف سلام يفتقر لقاعدة شعبية حقيقية، ويُنظر إليه كـ"موظف دولي لا رجل مرحلة".
- القوات تعاني من عزلة مناطقية وحذر من عودة خطاب الحرب الأهلية.
*الخلاصة والتوصيات*
رغم ضخامة المشروع الأمريكي–الإسرائيلي السعودي في لبنان، فإن المقاومة تمتلك *توازن ردع داخلي وشعبي وأمني* يمنع العزل أو السقوط.
بالتالي يجب التركيز على تعزيز التفاهمات الوطنية مع القوى غير المتورطة في المشروع الخارجي.
- منع الصدام الداخلي مع الجيش من خلال الإصرار على استراتيجية دفاعية جامعة.
- إستمرار بالعمل على فضح الخطة الخارجية أمام الرأي العام اللبناني كأولوية إعلامية.
*على رئاستي الحكومة والجمهورية تعزيز الوحدة الوطنية من خلال*:
- ضرورة التمسك بالميثاق الوطني ولغة الحوار، وتعزيز الشراكة بين مكونات المجتمع اللبناني.
- *رفض الإملاءات الخارجية*: بالتأكيد على استقلالية القرار اللبناني، ورفض أي تدخلات خارجية تمس السيادة الوطنية.
- *دعم المقاومة من خلال*: الاعتراف بدور المقاومة في حماية لبنان، ودمجها ضمن استراتيجية دفاعية وأمن وطني شامل.
- *التحرك الدبلوماسي من خلال*: تكثيف الجهود الدبلوماسية لفضح الانتهاكات الإسرائيلية، والضغط على المجتمع الدولي للالتزام بقرارات الأمم المتحدة ورفض التهديدات.
*الخاتمة*
يمر لبنان بمرحلة دقيقة تتطلب تضافر الجهود الوطنية للحفاظ على السلم الأهلي، وحماية السيادة الوطنية، والتصدي للمخططات الخارجية التي تهدف إلى تفكيك عناصر القوة اللبنانية الوحيدة، خاصةً أن أبواب الحوار مازالت مفتوحة من الثنائي الوطني ويدهم الممدودة مازالت قائمة لتفادي أي فوضى ممكن أن يؤدي بالبلد إلى المجهول .
إن التمسك بالوحدة الوطنية، ودعم المقاومة، ورفض الإملاءات الخارجية، هي السبيل الوحيد للحفاظ على لبنان قويًا وموحدًا.


